دعوات التجديد و التيسير

اذهب الى الأسفل

دعوات التجديد و التيسير

مُساهمة  ريم العبيد في الخميس أبريل 15, 2010 6:40 am

أجمعت الروايات التاريخية على أن العرب قد أحسوا في منتصف القرن الأول الهجري بخطر يهدد لغتهم، وخاصة حين امتد هذا الخطر إلى النص القرآني، وذلك بسبب شيوع اللحن على ألسنة الأعاجم والموالي، ومنه إلى ألسنة أبناء العربية؛ فكان اللحن سبب النظر في اللغة والبحث فيها عند العرب.
وتستند معظم الروايات التاريخية إلى أن أبا الأسود الدؤلي (ت 69 هجرية) هو أول من فكر في دفع خطر اللحن عن النص القرآني واللغة، وذلك بوضع النقط التي تدل على الضمة والفتحة والكسرة على أواخر الكلمات.ولكن البعض شكك في نسبة علم النحو إليه في هذا الوقت المبكر في غيبة المادة اللغوية وغيبة العقل العلمي الذي يقوم على التحليل والتبويب والتصنيف.
نشأة وتاريخ النحو العربي

ولعل أول نحوي حقيقي هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117 هجرية) الذي يقول عنه ابن سلام بعد ذكره أبا الأسود: "ثم من بعدهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي؛ فكان أول من بعج النحو، ومد القياس والعلل، وأبو عمرو بن العلاء بقي بعده طويلا، وكان ابن أبي إسحاق أشد تجريدا للقياس، وأبو عمرو أوسع علما بكلام العرب".
وتم كل ذلك بالبصرة التي سبقت إلى وضع قواعد العربية، يقول ابن سلام: "وكان لأهل البصرة في العربية قدمة، وبالنحو ولغات العرب عناية".
وعلى هذا بدأ التفكير اللغوي عند العرب بمعناه العلمي على أساس الوصفية، الذي يتمثل في جمع المادة وتصنيفها واستنباط القواعد وتحكيمها.
وفي البصرة كان الخليل بن أحمد الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس، وهو أول من استخرج علم العروض وعمل كتاب العين، أما سيبويه فهو صاحب أول مؤلف في النحو العربي يصل إلينا.
ودراسة الخليل للأصوات كانت نموذجا آخر للنظر العلمي؛ فقد رتب الأصول ترتيبا صوتيا حسب الحيز والمخرج، كما اعتمد على الجانب السمعي كما يتمثل في وقع الصوت على الأذن، وصنف حروف المد واللين وذكر صفاتها.
وبهذا استطاع الخليل وسيبويه أن يقدما للعربية نموذجا بنيويا لوصف العربية صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، لم يستطع أحد أن ينال منه أو يقدم بديلا عنه حتى قال قائلهم: "من أراد أن يعمل كتابا في النحو بعد سيبويه فليستحي".
فمثلت مؤلفات الخليل وسيبويه أغلالا على العقل والعلم مدة من الزمن، اكتفى فيه العلماء بشرح مؤلفاتهم وتحقيقها، حتى نشأت مناهج جديدة في التفكير تختلف عما جاء في هذه الكتب، ثم ما لبثت أن أصبحت ثورة على المنهج البصري على يد ابن مضاء القرطبي (ت 592 هجرية).
دعوات الإصلاح والتيسير في العربية

ولعل أول ما نلاحظه على هذه الدعوات أنها خصت جانبا واحدا من درس العربية باهتمامها وهو النحو، لا بالمفهوم الشامل الذي كان عليه في القرن الثاني الهجري كما يمثله كتاب سيبويه، وإنما بمفهوم أضيق يقتصر على قواعد الصرف والتركيب دون الأصوات والدلالة.
وقد ظهرت هذه الدعوات في إطار عام ينادي بتطوير اللغة حتى تصبح وافية بمطالب العلوم والفنون في العصر الحديث.
والشكوى من صعوبة النحو قديمة، والخصومة بين الشعراء والنحاة صورة من صور عدم الرضا. وبلغت تلك الخصومة ذروتها بين المتنبي وابن خالويه في القرن الرابع الهجري؛ لذلك ارتفعت أصوات تنادي بتيسير النحو منذ نهاية القرن الثاني الهجري، وظهرت بشكل عملي في صورة كتب تعليمية ميسرة تلبي حاجة الطلاب والمتكلمين. على سبيل المثال "مقدمة في النحو" لخلف الأحمر (ت 180 هجرية)، و"مختصر في النحو" للكسائي (ت 198 هجرية)، وتفاحة أبي جعفر النحاس (ت 328 هجرية)، وجمل الزجاجي (ت 337 هجرية)، ولمع ابن جني (ت 392 هجرية).
والملاحظ على هذه المؤلفات النحوية أنها لم تقترب من أصول التفكير النحوي أو النظرية النحوية كما وضعتها البصرة، وإنما اتجهت إلى التطبيق والتعليم والاختصار.
دعوة ابن مضاء الرائدة

أما المحاولة الوحيدة التي تتصف بمبدأ التيسير والإصلاح من ناحية، ومناقشة الأصول والمبادئ النظرية التي وضعتها البصرة من ناحية أخرى، ونقدها وفق أصول نظرية جديدة كانت محاولة ابن مضاء القرطبي (ت 592 هجرية) في كتابه "الرد على النحاة".
ومنذ نشر ذلك الكتاب على يد الدكتور شوقي ضيف 1947 حدثت ضجة كبيرة في الهيئات العلمية، وتردد ذكره في كثير من كتابات الباحثين والدارسين المعاصرين عربا ومستشرقين، ووصف بعضهم منهج ابن مضاء بالمنهج الوصفي في دراسة اللغة عند الأوربيين، ورأوا فيه دراسة رائدة في الفكر اللغوي العربي القديم.
وقد حاول ابن مضاء وضع نموذج جديد لوصف اللغة العربية والتقعيد لها وفق أصول ومبادئ فكرية وفلسفية تختلف اختلافا جذريا عن تلك التي وضعتها البصرة، وذلك مع اعترافه بقيمتها والهدف من وضعها، يقول: "إني رأيت النحويين –رحمة الله عليهم– قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن، وصيانته عن التغيير، فبلغوا من ذلك الغاية التي أمّوا، وانتهوا إلى المطلوب الذي اتبعوا، إلا أنهم التزموا ما لا يلزمهم، وتجاوزوا فيها القدر الكافي فيما أرادوا منها، فتوعرت مسالكها ووهنت مبانيها.
ومعنى هذا أن ابن مضاء يسلم منذ البداية بالهدف التعليمي وبالجانب المعياري، لكنه يرى أن النحاة بالغوا في ذلك، ثم يحدد هدفه فيقول: "وقصدي من هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه".
وقد انصب نقده على ما رآه فسادا في نظرية العامل التي دفعت النحاة إلى ما أفاضوا فيه من التعليل والتأويل والحذف والتقدير، وكان فعله هذا أقرب إلى الوصفية التي تبتعد عن استخدام التعليلات المنطقية، وما ترتب على نظرية العامل من تأويلات تؤدي إلى هدم العلاقة بين المبنى والمعنى.
الطهطاوي يبدأ التجديد في العصر الحديث

ولم تذهب المحاولات القديمة في التجديد والإيضاح والتيسير سدى، وإنما كانت مصدر إلهام وتوجيه لمحاولات الإصلاح والتجديد في مطلع العصر الحديث، وقد بدأت هذه المحاولات في التأليف النحوي دون الاقتراب من الأصول النظرية والمنهجية، وكانت دروس النحو قد استقرت في الأزهر محصورة في إطار الشروح والمتون، وكانت قيمة أي مؤلف في النحو تتركز في إحاطته بكل تفاصيل الخلاف بين النحاة، أو شرح شواهد ابن عقيل وشذور الذهب.
ومع هذا فقد جاءت المحاولة الأولى لعرض النحو عرضا حديثا بعيدا عن هذه المتون على يد عالم من علماء الأزهر، وهو رفاعة الطهطاوي الذي ألف أول كتاب يعرض للنحو العربي عرضا مختلفا عن طريقة المتون والشروح، وسماه "التحفة المكتبية لتقريب اللغة العربية"، وجاء هذا الكتاب على نمط مؤلفات الفرنسيين في النحو الذي أعجب بها أثناء بعثته إلى فرنسا، فجاء الكتاب بسيط العبارة، سهل العرض ليس له متن ولا شرح، كما استخدم فيه لأول مرة الجداول الإيضاحية.
وبذلك بدأ رفاعة ما يسمى بحركة إصلاح الكتاب النحوي في العصر الحديث، وكان المقصود بها تخليص الكتب النحوية من العبارات الغامضة والاختلافات، وألف هذا النوع من الكتب تيارا ظل متدفقا حتى يومنا هذا تحت أسماء وعناوين مختلفة، مثل "النحو الواضح"، و"النحو الوافي"، و"التطبيق النحوي"، و"النحو المصفى".

ريم العبيد

المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 09/03/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى