مقابلة مع الشاعر الفرنسي جان شارل دوبول

اذهب الى الأسفل

مقابلة مع الشاعر الفرنسي جان شارل دوبول

مُساهمة  هيا ترمانيني في الخميس مارس 25, 2010 11:37 am

شاعر الفرنسي جان ـ شارل دوبول عن تجربته وبداياته وورشة الترجمة:
عَمَلُنا على ترجمة الشعر العربي إلى الفرنسية يسرق رونقَ صوره المصوغة بالعربية

يتنقل الشاعر الفرنسي جان شارل دوبول بين مارسيليا والقاهرة وبيروت ويتولى في الفترة الأخيرة مسألة ترجمة الشعر العربي إلى اللغات الأجنبية. وإلى المشاركة في العديد من النشاطات الثقافية، هناك تجربته الشعرية.

يعرف عنك أنك نشرت كثيراً الشعر في مجلدات أدبية فرنسية ولم تهتم بشكل مباشر بتحضير الدواوين الاّ انك عدت ونشرت كتابين. ماذا تخبرنا عن هذا الأمر؟
ـ منذ بداية كتابتي الشعر أي منذ الستينات، تعاطفت كثيراً مع حركة المجلات الشعرية في فرنسا. وكنت أتوجه اليها وكأنها المكان الطبيعي للشعر ولقصائدي بشكل خاص. ثم صدر كتابي الأول بعنوان "مئة مرة". لماذا هذا العنوان بالذات، لست أعرف. بعدها صدر الثاني: "اوبرا ـ الحصان" وهو عبارة عن نص شعري ـ نثري، قُدّم على المسرح في اطار المسرح الغنائي، لكني قصدت به الشعر فقط، بالأساس.
من جهة ثانية، كانت لي علاقة قوية مع أبرز المجلات الشعرية منها: "اكسيون بويتيك" مع ميشال دوغي ومجلة "إيف" التي كانت تصدر في مرسيليا، و"إيف" هو اسم قصر في جزيرة صغيرة بالقرب من مرسيليا ولها تاريخ أدبي يعود الى ان قصة "الكونت دو مونتي كريستو" قد جرت أحداثها في هذه الجزيرة بالذات. فبقي البعد الأدبي للمكان وكان لمجلة "إيف" نشاطات مهمة في حقبات سابقة.

هل أنت من مرسيليا؟
ـ لا ولكنني عشت فيها ثماني سنوات قبل ان أنتقل للعيش في القاهرة.

ثمة فئة من الشعراء الفرنسيين الذين أتوا الى الشعر من تأثرهم العميق بتاريخ شعري كبير يمتد من زمن رونسار الى موسيه وهوغو الى بودلير ورامبو ومالارميه وغيرهم. وثمة فئة أخرى تكتب متأثرة بتفاصيل الحياة اليومية وواقعها. الى أي فئة من الشعراء تنتمي؟
ـ في الواقع هذا صحيح، وأنا أنتمي وبعمق الى الفئتين معاً. حين كتبت لمجلة "اكسيون بويتيك"، كانت يومياتي هي مصدر الإلهام الوحيد اذ كانت تجربة عصرية وتعاملت المجلة مع الحداثة الشعرية بجرأة ووعي. يومها تأثرت بشعر جاك روبو ولا زال اعجابي بشعره مستمراً حتى اليوم. وهو، مع شعراء غيره بالطبع، كتب الشعر الحديث ولكن شعره اتصل بشكل وثيق مع تاريخ الشعر الفرنسي، خصوصاً مرحلة القرن السادس عشر. تأثرت ايضاً بالشعر الأميركي المعاصر بعد مرحلة هائلة مع اكتشاف شعر رامبو حين كنت فتياً. بهرني وبقيت سجين قصائده الى حين عدت فجأة الى الوراء، الى الشعراء الجوّالين، الى رونسار. كما توقفت طويلاً أمام شعر مالارميه مع انه مرهِق، وايضاً روردي.
هذا الإرث الادبي لا يمكن تجاهله وان تعمّدنا ذلك. لكن الشعر الأميركي كان خياري وأعجبت بشعراء عديدين أبرزهم وليم كارلوس وليامز.

تعتبر من الشعراء الأوروبيين المعاصرين القلائل الذين توجهوا صوب الشرق. كيف حصل الأمر ولماذا كان هذا الخيار؟
ـ منذ البداية كان اهتمامي بالشرق لأسباب عديدة ومتباعدة، ولم تكن ثقافية فقط. توجّهت الى القاهرة بعد قراري الانخراط في صفوف المعلمين حين كنت في مرحلة التجنيد الاجباري في الخدمة العسكرية. كان عليّ الاختيار ما بين التعليم والانتقال الى بلد آخر أو المتابعة في الشؤون العسكرية. لكن كان قد سبق قراري اعجابي بالمنطقة وباللغة العربية وآدابها بعد زيارة قصيرة الى بيروت سنة 1963. فتحمست لفكرة زيارة عاصمة عربية أخرى، وكانت القاهرة. وصلت قبل أشهر قليلة من رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وشاركت في مأتمه مع الحشود التي تجمعت في الشوارع. وفي ذلك الوقت، اهتممت أكثر بمجال تخصصي في الجامعة في العلوم الاجتماعية ودراسة الانتروبولوجيا، وكانت نظرتي الى القاهرة نظرة باحثة عن كل جديد ومشوّق ومختلف. لم يكن الشعر هدفي في تلك الرحلة. غير انني تعرفت اليه منذ بداية تعلمي اللغة العربية. قرأت الروايات العربية المترجمة بكثرة، ثم حثني بعض الأصدقاء، بعد إلمامي الجزئي باللغة العربية على ترجمة بعض القصائد من باب التسلية، فتعرّفت على شعر صلاح عبد الصبور وغيره. قبل الشعر، استرسلت في عملي الانتروبولوجي وزرت ايضاً اليمن ودمشق وحلب في سوريا ودرست المدن. أما الشعر، فاكتشفته بمساعدة اصدقاء عرب وكنّا نتبادل القصائد بالترجمة. بعد مرحلة الحركة المعاصرة الحديثة، رغبت في الاطلاع على الشعر العربي الكلاسيكي منذ الجاهلية وصولاً الى كل المراحل. لكن الاهتمام الأكبر انصبّ على مرحلة السبعينات، وزرت بيروت عام 1971، لكني بقيت بعيداً عن الحركة الثقافية الناشطة آنذاك، اذ كانت رحلة قصيرة وبعدها مباشرة بدأت الحرب والتزمت البقاء في القاهرة. أما شعراء السبعينات في لبنان فاكتشفتهم أخيراً بواسطة بعض الانطولوجيات التي تقدّم في باريس وان كان يشوبها بعض النواقص، إلا انها وضعتنا أمام نكهة جديدة من الشعر، ومن ثم النشاطات الأخيرة في باريس ومدن فرنسية اخرى وجهت الأنظار الى شعراء من مرحلة السبعينات في بيروت وما يليها، فقرأت بول شاوول وعباس بيضون وانسي الحاج وايضاً محمود درويش وادونيس من دول أخرى.

مما قمت به من تجربة فردية هو الطريق المعاكس للفرنكوفونية، حيث اعتدنا في لبنان مثلاً قراءة وترجمة الشعراء الفرنسيين، أما ان يُترجم الشعراء اللبنانيون الى الفرنسية فهو أمر جديد. كيف تنظر الى هذه المسألة، ليس فقط ثقافياً انما من الناحية السياسية ايضاً؟
ـ كنت أناقش هذا الموضوع منذ فترة وجيزة مع فاروق مردم بك، وكان رأيه ان الفرنسيين أو مجمل الأوروبيين يبحثون عن الناحية الغريبة والجديدة فقط في الشعر العربي، لكنهم لم يولوا هذا الشعر الاهتمام الكافي.

توقفوا عند بعض المؤلفات "كألف ليلة وليلة" ودرسوا فقط الناحية الايروتيكية على الطريقة الشرقية مثلاً. لماذا اهملت مؤلفات واسماء عدة تؤلف مجتمعة مملكة شعرية هائلة ولم تبرز سوى محاولات قليلة كالتي تتحدث عنها؟
ـ صحيح، وطغيان شعر الغزل والحب على كل ما وقع عليه الاختيار للترجمة الى الفرنسية يترك هذا الانطباع. أما التغيير الذي حصل منذ السبعينات مع ترجمة قصائد لبدر شاكر السيّاب وبعده أدونيس ومحمود درويش استلزم ربع قرن ليعود ويفتح الباب واسعاً امام التجارب الأخرى التي بدأت تتسرّب ببطء الى المكتبات الباريسية. كانت هناك اعتبارات سياسية لا أريد ان أدخل في تفاصيلها الآن، ولا زالت حتى اليوم بعض السياسات تدخل على الخط لوصول فلان الى العالم الغربي أو لعدم وصوله.
عندما تُرجمت بعض الأعمال الشعرية اليمنية الى الفرنسية مثلاً، عُرّف عنها على انها "قصائد الثورة" أي ان الثورة قادتها الى هناك.

هل تظن ان الوضع تغيّر اليوم؟ ولماذا؟
ـ أجل وذلك بسبب الشعراء وقراء الشعر على حد سواء. القيّمون على المجلات الشعرية أصبحوا أكثر إلحاحاً للوصول الى عوالم جديدة علّهم يقعون على أبواب لم تُطرق بعد في الشعر. وليس العالم العربي هو فقط موضوع البحث، انما الشعر في كل انحاء العالم.
في "المركز العالمي للشعر" في مرسيليا نحضر حالياً كتاباً بعنوان: "مئة عنوان" فيه أبرز الكتب الفرنسية وغير الفرنسية ومنها العربية التي صدرت هذا العام والتي يمكن ان تلفت انتباه أصحاب المكتبات والقراء على حدّ سواء. نحضر هذا العمل بالتعاون مع الشاعر العراقي كاظم جهاد وعدة متخصصين اختاروا الكتب والاسماء وراجعوا الترجمات، وكتبوا المقدمات للتعريف بالشعر العربي من الجاهلية الى اليوم.

مجهود فردي

لنعد الى مجهودك الفردي في اكتشاف هذا الشعر: كيف تعاطيت معه وماذا وجدت من عناصر شغلتك أو حرّضتك على المضي في المغامرة؟
ـ أحببت بشكل خاص العمل الصعب والدقيق على اللغة العربية، وكلما غصنا في بحر هذه اللغة تأكد لنا كم هي غنية وخصبة. وأحببت ايضاً التجارب الحديثة حيث العمل على تبسيط هذه اللغة، وهنا جمالية من نوع آخر، حيث نقول ببساطة ما شرحه الآخرون بملاحم طويلة.

السبعينات

لكن مرحلة السبعينات وما يليها حملت معها اثر الغرب في الشعر العربي الحديث في ما سُمي بالسوريالية وما يليها. ألا تظن ان اقتراب الشعر العربي من الجو الغربي العام هو الذي حرّض على ترجمته؟
ـ الحديث عن التأثر بالمرحلة السوريالية صحيح، لكن البحث اللغوي العربي كان مختلفاً، كذلك الإيقاع. وتمتاز القصائد النثرية الحديثة في العالم العربي بكميات هائلة من الصور الشعرية التي لم يعتد القارئ الفرنسي مثلاً على فكّ ألغازها. هنا تكمن صعوبة ترجمة الشعر العربي، وأحب ان أقول وهذا القول هو أقرب الى الاعتراف بأن عملنا على الترجمة الى الفرنسية يسرق رونق الصور الشعرية المصوغة بالعربية، ونحاول جاهدين تلافي هذا الأمر، وهو يتطلب الالمام الكبير باللغتين المنقول منها واليها.

أتظن ان غزارة الصور الشعرية تلغي أو تطغى على عناصر أخرى في القصيدة العربية، اذ ذكرت انها مرهقة...
ـ لا، على العكس، الإرهاق هنا هو بمعنى الصعوبة اللذيذة. لكني ألفت الانتباه الى ان الترجمة من العربية الى الفرنسية يعوزها أكثر من الإلمام باللغة، وينقصها التعرّف بعمق الى أهداف القصيدة، ربما هي تختلف عن التصوّر التقليدي عنها لدينا.

ألا تعتقد ان في ذلك صورة عن اسلوب عيش أو منطق الفكر العربي الذي يجب العمل بشكل أعمق على ادراكه اذ لطالما قوبلت الأعمال العربية بسهولة من قِبَل الغربيين؟
ـ صحيح، وربما احتاج الأمر الى تفهم أوسع للعالم العربي ولخصائصه.

بالعودة الى الشعر اللبناني، من قرأت من الشعراء المعاصرين؟ وكيف كان الصدى لتجاربهم لديك؟
ـ في المرحلة الأولى، تعرّفت الى الشعر العربي من خلال أدونيس في باريس، اذ كان الأول الذي تُرجمت أعماله الى الفرنسية. أعجبت بمراحله الأولى، ولا أحب ما يكتبه اليوم. ومع توافر الأسماء العربية الجديدة الى باريس، فوجئت وتساءلت لماذا بقي اسم أدونيس وحيداً ولفترة طويلة دون غيره على الساحة؟ تعرفت الى شعر أنسي الحاج وبول شاوول وعباس بيضون، وبعدهم الى عبدو وازن واسكندر حبش وغيرهما من الشباب... صحيح انني لم أعرف بيروت في فترة الستينات والسبعينات الخصبة بالشعر وباستقبالها لكل شعراء العالم العربي، عبر انفتاحها ووجود ابرز المجلات الشعرية آنذاك فيها، لكني لمستها عبر دواوين بعض شعرائها. أحببت في تجربة أنسي الحاج تلك اللعبة السوريالية الخاصة به، بكل جنوحها وتفاصيلها. لدى بول شاوول، لمست عمقاً لغوياً هائلاً، فهو يتقن الغوص عميقاً في بحر اللغة، وما يطلع به مثيراً وغنياً الى حد جعلني أتوقف لساعات أمام كل جملة شعرية لترجمتها، علّني لا أفقد أي بعد من أبعادها.
ومع كل تجربة شعرية لأحدهم، كان هناك الجديد في الايقاع واللغة والمناخ العام.

وتجربة "مرسيليا" كيف تقوّمها؟
ـ كانت رائعة وعمدنا الى التحلق حول طاولة واحدة والعمل بشكل جماعي على ترجمة بعض القصائد، ووقع الاختيار على أربعة شعراء لبنانيين: شاوول، عبد الله، وازن وحبش، وتبادل الأفكار والأساليب في الترجمة أغنى التجربة. ثم أنا اليوم في لبنان، للقيام بعمل معاكس وهو ترجمة قصائد فرنسية الى العربية مع الفريق عينه: قصائد لي ولشاعرة شابة تدعى آن باريان وايضاً كريستوف جان وإيريك جيرو.
avatar
هيا ترمانيني

المساهمات : 34
تاريخ التسجيل : 07/03/2010
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى