قصيدة النثر

اذهب الى الأسفل

قصيدة النثر

مُساهمة  سلوى افغاني في الإثنين مارس 22, 2010 7:28 am

عرف الشاعر الجاهلي النص الشعري برؤاه المتنوعة، والتي فرضتها حياته الاجتماعية والثقافية، وأغلق النص بعناصر متآزرة متوافقة تصب في قالب دلالي واحد، رغم تباين بعض الرؤى العضوية شكلاً، إلا أن المضمون أو المعنى الأدبي حافظ على تمسكه وهذا ما جعله خالداً عبر العصور.. يحتفظ ببريقه ولمعان تكوّنه وسيظل مثار جدل القدامى والمحدثين.

ورغم الحداثة الشعرية ظلت القصيدة في تألقها نصاً قادراً على مواكبة الحداثة -سواءً الأولى في العصر العباسي، أو الثانية في القرن العشرين، مما أدى بنا إلى الاستسلام بأن العصر وعوامل القوة تفرض على المتلقي النص القادر على الحركة والتعبير عن متطلبات هذا العصر، وليكون أكثر ليونة في نقل هذا الواقع بكل مستوياته، وهذه الأخيرة تجعلنا نؤمن أن النص الشعري مهما تغير شكله من عمودٍ أو تفعيلة أو حرٍ كما يسمونه "قصيدة النثر" هو القالب الذي تصب فيه رؤى العالم المصاحبة للتغيير.

وبهذا فإن النص لا يتشكل عند الشاعر إلا حينما تتوفر له اللحظة التي يكون فيها خلقه الأدبي الخاص ويهيئ رؤاه وأفكاره ليحشرها في النص وفق تباين أو توافق بعد ما يأخذ عناصره من عالمي الحقيقة والمجاز، ويشكله في فن أدبي خاص، وتعد هذه العناصر المتكونة هي زخرفة القصيدة (1)، والعناصر الطريقة التي تتحد في المجموع لتؤثر بعضها على البعض الآخر بفعل التواليات والتداعيات والتجاوزات، كما في الأغراض الشعرية سابقاً أو الوحدات على لسان الحداثيين لإنتاج تأثيرات إيقاعية أو متضادة، وهي في الأول والأخير تخضع للفكرة المولدة –أي البؤرة الرئيسية للنص- أو ما أنجز دلالياً أثناء القراءة، وتقوم على الترابط والتواصل والانسجام لذلك سمي قانون الانسجام العام الكبير مقارنة بعمود الشعر في القديم، وهو يحفظ الوحدة العضوية للقصيدة ويحفظ أيضاً لها نغمتها الموسيقية التي ينكرها كثير من الشعراء – أعني قصيدة الأجد.

وقصيدة النثر دخلت الشعر العربي بتأثير مسبق ابتداءً من التيار الرومانسي وكتابات جبران وميخائيل وإسهامات روحية احتفظ لكتابة الصوفية بحقهم في الرجوع إلى المصادر الأولى لو حاولنا التأصيل لهذا النمط من القول، أما من اعتمد النموذج الغربي في الكتاب سندعه يخوض ويلعب حتى يأتيه اليقين الأدبي.

كثر في المصطلح النقدي الحديث استخدام لفظ النثر.. فيه أشكال أدبية متنوعة، ولكن اقترانه بـ(قصيدة) يخرج عما هو متعارف عليه سابقاً – قبل الاقتران اللغوي، بخلاف مفردة "الشعر" التي تناولها البلاغيون القدامى كثيراً، وجاء النثر في اللغة : التفريق والنشر، ومنه نثر الحب إذا بذره.. أما في تاج العروس للزبيدي النثر بالتحريك كثرة الكلام وإذاعة الأسرار، وقال: النثر هو الكلام المقفى بالأسجاع ضد النظم (2)، أي أنه يقتضي وجود وزن وإيقاع كما في الشعر، وبهذا رد على من يقول بأن النثر فيه وزن.. وبفعل عامل التحديث الشعري وجدت قصيدة النثر وإن كانت مصادرها الأولى غربية، بل يمكن التأصيل لها، لأنها تعتبر آخر شكل شعري تعبيري وصل إلى الشعر الحديث، ومن اللازم أن لا نبقيها على تسميتها الأوروبية، بل بالإمكان أن نسميها القصيدة الجديدة أو الأجد كما يقول الدكتور عبدالعزيز المقالح في تنظيره النقد (3) وتسميتها بـ (قصيدة النثر) شكلت أزمات ثقافية لدى القارئ العربي المعتمد على الوزن في القصيدة.. رغم أنها تتخلى عن هذه الأزمات.

أما مصطلح قصيدة فيرجعها الدكتور صلاح فضل إلى فكرتين متلازمتين، إحداهما: القصد والتعمد، أي أن القصيدة هي الكلام المقصود في ذاته، وهي اللغة عندما تصبح هدفاً فنياً محدداً، وليست مجرد وسيلة للتواصل تحترق بانتهائه، ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا تختلف قصيدة النثر عن بقية أشكال الشعر المنثور أو النثر الشعري، ولذلك لعدم مركزية القصد الشعري فيها، أما المعنى الثاني: فهو الاقتصاد، أي أن اللغة التي تنتظم في قصيدة لا بد لها أن تتسم بالقصد والتركيز والتكثيف، بحيث يتم تشغيل عناصرها غياباً وحضوراً بفاعلية كبيرة (4)، هذا الاقتصاد جوهر لأنه مظهر الشعرية فيها.

وتعريف الدكتور فضل يكسر حجم هامشية البنى طالما تساءل عنها البعض عن مقولة أن القصد النثري يوازي القصد الشعري، فلماذا نقول قصيدة شعر وقصيدة مسرح ولا نقول قصيدة نثر؟ وتكفينا هذه الوقفة التعريفية لـ(قصيدة).. والأدب والنقد المقارن حاول أن يظهر بعض المقاربات الحضارية النصية، ولا تفوتنا إننا مستسلمون لعملية التأثير والتأثر التي تتم بين الآداب، وليس معيباً أن تأخذ ملامح نصية من الآداب الأخرى كالفرنسية والإنجليزية، وندخلها إلى الأدب العربي كالمسرحية والقصة مثلاً، والقضية الأكثر أهمية، هي كيف أتعامل مع قصيدة النثر، أهي جنس أدبي أم تجديد في ظل الشعر؟

انقسم النقاد والدارسون للأدب إلى قسمين: الأول : يعترف بأن هذا الدخيل إلى الأدب هو جنس أدبي آخر، وليس ما يكتب شعراً لأنه لا يمت إلى الجذور الثقافية العربية بأي صلة، والقسم الثاني: يعتبر هذا النمط الجديد تحديثاً شعرياً لأنه عرف التتالي التحديثي لقصيدة النثر وكيف وصلت لنا في العصور المتأخرة.

ولم يكن الباحث حسن به فهد الهويمل (5) وحده، بل معه مشايعون يفكرون أن هنا النمط الحديث من الشعر شعراً، والبعض يرفضه تماماً لأنه غير معروف في الثقافة العربية، والأصوليون يرون أن هذا النمط من الشعر لو دخل في الشعر العربي لأفسد الذائقة الشعرية عند المتلقي.. وهذا خطأ غير محمود، لأن الشعر لغة، واللغة تتشكل بناءً على رغبة العصر ولكي تواكب الحداثة الشعرية لا بد أن ترضخ وتستسلم لعناصر التحديث والتجديد، ولا بد أن تكتب وفق ما يريد شعراء الحداثة.. شاء الأصوليون ذلك أم أبوا.. أما عزل قصيدة النثر عن الشعر والاعتراف بوجودها ظاهرة أدبية أخرى ليس صحيحاً، فهي ليست فتنة تفرق بين الأخ وأخيه كما زعم الهويمل، ولم تغرِّب الفن الشعري على الإطلاق، إذ لها خصائصها التي تجمع بين النوعين في وعاء واحد الشعر والنثر معاً كما هو مألوف في قصائد بعض الشعراء الحداثيين، لكن لم يستوعب الشعراء العرب جميعهم هذا النوع، وبعضهم كتب أنموذجاً هشاً شوَّه هذا النوع، فلا تعامل من يجيد كمن لا يجيد.

وتحامل الهويمل ليس صحيحاً لأنه أرجع هذا التطور إلى نظرية التطور الداروينية يقول: وجد المتسطحون نظرية التطور الداروينية ذريعة لجعل النثر شعرا (6) ونظرته هذه من باب الافتراض فقط، لأن استناده الواقعي يهمش دور اللغة في التواصل والشعرية وكذلك تاريخية المزاوجة اللغوية والفجوات واللامتوقع من خلال اللغة.

رغم المدّ والجزر في إيقاف مفهوم قصيدة النثر، ورغم ما كتب الباحثون في هذه النقطة لم يصل منهم تعريف شاملٌ كامل في قصيدة النثر، كل ناقد حاول أن يضع لها تعريفاً وفق ما يقرأها به من رؤية، ولك أن تنظر إلى مفهوم قصيدة النثر عند ميشيل ساندرا، إذ يقول: هي صياغة مستقلة وموجزة في الغالب تمنح تأثيرات شعرية انطلاقاً من تراكيب معاودة (نحوية ومعجمية وصوتية وعروضية) (7)، هذا في البناء اللغوي وفي تعريفه نوع من التقصير لغياب افتراضية تعددية البناء الأسلوبي للقصيدة وقوله صياغة مستقلة تدخل في إطار نظرية الأجناس كذلك وموجزة في الغالب يدرجها تحت المقطعات الشعرية القديمة والحديثة، والأهم من التعريف هو هدف قصيدة النثر، لأن بعض الدارسين أرجع سبب كتابة قصيدة النثر إلى فشل الشاعر في كتابة الوزن (البحر الشعري) والتفعيلة، وهذا خطأ كبير لم يحاول النقاد أن يصححوه للعامة من القرَّاء، ولعلَّه انتشر بشكل غير طبيعي بينهم.

غير أن الهدف الأمثل لقصيدة النثر هو تقديم حجم مرن وقابل للتغيير، وكمية متصلة من الكتابة، وتصبح القضية الأساسية هي التنغيم (Cool.. إذن حل إشكالية قصيدة النثر بهذه الرؤية لم تعد بحاجة إلى الشرح وتبرير مواقف كتابة هذا النوع، وترتبط بالجمالية أكثر من أي شيء آخر، وتقرأ بمنهجها الخاص.

ومواقف تودوروف تساند هذا في تناوله للشعرية أو الأدبية في النص الأدبي لمواكبة التطور الشعري في هذه الفترة الزمنية، وقد كان ينظر إلى أن النص الأدبي يقوم على مبدأ التضاد، وبه ينطلق لقراءة واقع قصيدة النثر ويقول: شكلٌ مناسبٌ لموضوع التناقض والتعارض. وبهذا التعريف الموجز يحدد طبيعة قصيدة النثر، وكأنه يريد أن يقول لنا أنها قائمة على ثنائية ما وبوسعها اتخاذ أشكالٍ موضوعاتية أو شكلية متنوعة، وقد تتجلى هذه الثنائية بشكل طاغ، وقد لا تتجلى إلا بالاستنباط.

والنثر بطاقاته الاستيعابية وعوالمه الداخلية يمقت القوالب الجاهزة، لأنها طريقة استاتيكية تقيد الأسلوب النثري من الخروج إلى ساحة الإبداع، لذلك أيضاً يرفض الإيقاعات المفروضة عليه من الخارج، لأنها عبث شكلي في النثر، وقصيدتنا هروب من الشعر داخل النثر كذلك من التراكيب البلاغية والسمات المنطقية الفخمة المتوافرة في القصيدة الشعرية والأسلوب المرحلي، والنثر بحكم مرونته يسمح بأكثر تنوع الأشكال حجماً، لأنه متحرر من أي تقنين كتابي، وحسب رغبة العصر الفكرية يظهر لأن التنوير يرتكز على الفكر.

ولم يقف التنظير النقدي لقصيدة النثر، ولم يأت فجأة، بل تسلسل مع نموها.. وهذا أحد أقطاب قصيدة النثر مالارميه يرى أن تطبيق النثر على الشعر أمر حتمي لكي يأتي بمغايرة أدبية، هذا الانسكاب يجمع خصائص الجنسين معاً بصورة موجزة تختصر الزمان والفكرة (9).. وبهذا توقع بنية تنظيم لغوية غير مألوفة في السياق اللغوي، إنه تركيب الجملة على الجملة وهو نضال ضد تركيب الجمل الشائع وتنتظم الكلمات داخل الجملة بموجب قوانين جديدة، تعتمد الدلالات اللانهائية وكذلك طرد السهولة الذهنية في الإنتاج وفرض نظام ذهني معقد يبين عمق القراءة عند المتلقي، أرأيت النموذج الأوروبي كيف صعد تدريجياً إلى مستوى الإبهام الدلالي؟ وكيف تأثر بالفن التشكيلي؟

هذه المرحلة غيَّمت كل شيء حتى النص الأدبي، فلم تعد تعرف معناه مما ورد من شكل أمام عينيك، وقد أفاد النقاد من الفوضى النصية ومظاهر عوالمه في قراءة هذا الأنموذج العجيب الزئبقي تارة يصفو لونه وتارة يتعكر، لكنه ظل متوقعاً، وقارئ هذا النوذج لا يتعرض للصدمة لأنه يكون محصناً بلقاح المناهج النقدية قبل الأخيرة، وبهذا تفك شفرات النصوص ويؤخذ البعد التأويلي المناسب للقراءة النقدية.

ولاقحت قصائد النثر لوحات مختلفة تماماً عن لوحات الجمال الحقيقية التقليدية، كما أن اللوحات الطبيعية الميتة زعزعت الأفكار الشعرية حول الرسم (10) ثم أصبحت بعض الأعمال الحديثة للفنانين أصعب فهماً على علم البلاغة والتحليل والقراءة، لأنها تدخل مرحلة الإغراب والغموض والتلغيز أو الخلل في التقديم، وهذا شأن تصميم لوحات مجانين –أي لا تقرأ- تأثر بهذا النوع عدد من الشعراء وحاولوا أن يكتبوا على منوال اللوحات منهم ميشو في نصوص قصيرة.

ولم تلبث مسألة الأغراض الشعرية طويلاً في الأدب العربي، وكأن الحضارة المكانية والزمانية فرضت نفسها على النص، فأصبح إيصال الرسالة بنص يناسب هذا التغيير، قبل أن نقول أن الترابط بين الأجزاء في النص وجد من العصر العباسي بالنسبة لنصنا العربي الحديث، وفي قصيدة النثر تحدثت سوزان بيرنار (11) عن مصطلح الوحدة العضوية وعدَّته أحد الركائز التي تقوم عليها قصيدة النثر، وفكَّ هذه الركيزة فاليزش في تعريفه للنص الأدبي بقوله: النص/ وحدة كلية مترابطة الأجزاء، فالجمل تتبع بعضها تحت نظام سديد، بحيث تسهم كل جملة في فهم الجملة التي تليها فهماً معقولاً، كما تسهم الجملة التالية من ناحية أخرى في فهم الجملة السابقة عليها فهماً أفضل (12) وبعض الشعراء نقضوا هذه فلم تعد هناك وحدة عضوية بين المقاطع، ولأن النص حشرٌ لكل ما يرغب وما لا يرغب به الناص. هذا على مستوى الظاهر أو قل أن الشتات المظهري يفرض علينا قراءة موحدة نستنبطها من خطوط وهمية بين الدلالات في النص وهكذا يعتبر وحدة وإن لم تكن موجودة.. وهذه من حسنات العلاماتية وقت أفادت النص الحديث.. وأكثر ما يرتبط تعريف فاليزش بالسياقية ويتغافل الاستبدالية نوعاً ما ،مما يعطي التعريف بصمات السردية إن كان غير مصرحٍ بها بشكل واضح لأنه ليس من الضرورة أن تشرح الجملة الثانية والأولى في النص.. وهذا يعتبر استسلاماً معيباً عند الشاعر، وكذلك قصوراً عن المدارك الحقيقية لإسقاط النص الشعري.

والإلحاح على وجود الوحدة يحفظ النص من الانفراط ويجعله عالماً محاطاً بسياج أمني راقٍ ويبلور في كتلة بلورية تشع نوراً من دلالات إيحائية متعددة تتلوَّن بتلوُّن الجمل بمموجب انطلاق الفكرة والنغمة المقصودة لإحساس معين.

وتحت مصطلح الوحدة أدخلت سوزان كلية التأثير والمجانية والكثافة، وهي أعمدة تكوين لآليات قرائية في قصيدة النثر ويمكن أن نوضح هنا بالشكل الآتي:

كلية التأثير

الكثافة

المجانية

وعنصر المجانية له أهمية قصوى في قصيدة النثر يضطرد مع الشكل الفوضوي، ووجود التقنيات الكتابية بيانية كانت أم سردية ليس لها غاية خارج ذاتها، وبمستطاع القصيدة الحديثة استخدام أساليب سردية ووصفية، وهذا من أسرار تسميتها وإن كان النص القديم قد وظف هذا الأسلوب مهما كان ذلك أيضاً تموت مسألة الزمانية والمكانية في النص، لأن التقنية السردية لم تكن لذات السرد.. إلى جانب ذلك لا تعرض –أي القصيدة – سلسلة أفعال وأحداثٍ لغرض النمو الحدثي.. إلا إذا كانت لأغراض شعرية بحتة.. والتكثيف يعتمد على اللغة والخروقات التصويرية وتناهض الدلالات فيما بينها ليصير النص عالماً واحداً..أما كلية التأثير فتدخل في الإحاطة بما ورد في النص من علاقات ومن دلالات، ومن جمل وألفاظ تدخل في نسق واحد مترابط الأجزاء، كل عضو أثر في أخيه فبدا كما أراد، ولهذا انحصر النص في بناء واحد متأثر ببعضه البعض.

ورؤية بيرتران في حجم القصيدة لها أهميتها لكي تواكب فلسفة التجريب وفوضوية العالم، وهو حين يشعر بضرورة ضغط القصيدة، وتركيزها حول العناصر الإيحائية والجوهرية يخلِّص قصيدة النثر من القبض الكتابي، ولا أهمية له في هذا النوع والاسترسال الفكري يخمد لهيب النص وثوراته عند القارئ.. وجوهرية القصيدة تكمن في عناصرها الرئيسية السابقة وفيها خروج عن مستوى النثر المرسوم، لأن النثر نزوح نحو التأمل الأخلاقي أو البوح الغنائي، وبها يكون الفرق بين قصيدة النثر والنثر المحض. ولأن الرسائل الأخلاقية تقتضي إطناباً وتفصيلاً فهي تتعارض مع هذا الجديد من الكتابة.. ورؤية بيرتران أقنعت الشباب الفرنسيين في تقبلهم لقصيدة النثر، لأنهم ميزوا بين النثر والقصيدة.

وفي واقعنا العربي، لم يحاول النقاد أن يميزوا للشباب ما هو الشعر من منظور حداثي؟ وما هو النثر؟ وما هي قصيدة النثر؟ وماذا جمعت من الجنسين؟ لأنها انتقلت دفعة واحدة ولم تمر بمراحل مختلفة، وهو السبب الأساس للأزمة بين الشاعر والجمهور.

وبناؤها الداخلي لا يستقر على هيئة موسيقية معينة انطلاقاً من فوضويتها الإيقاعية، والغالب أن القانون الإيقاعي الذي يحكمها قد يتحدد من كون المقطع متنفساً وهي عرضة لعوادات صوتية (13).. تمثل لازمات تتوفر عند بداية المقاطع، أو في نهايتها، هذه اللازمات لها تكوين صوتي موحد في أغلب الأحيان، كذلك توجد في أبنية متفرقة، جناسات استهلالية تزرع التوافق الموسيقي بين المقاطع والوحدات وسجعاً أكثر مما هو موجود في النثر الشعري.. كل هذه الإشارات الموسيقية تحيلنا لمعرفة انطباعية بعوالم التشكيل الداخلي الإيقاعي للقصيدة الذي يجهله كثير من كتابها العرب وهذا كله تعميق لمقولة واحدة.. إن قصيدة النثر هي الأكثر موسيقية والأكثر تنظيماً من بقية الأنواع الأدبية الأوروبية، لكن الشعراء العرب أثبتوا عكس هذا.. فبدت القصيدة أكثر فوضوية إيقاعية وأقل تنظيماً.

المثير أن هذه اللازمة الموسيقية قديماً في الموشحات الأندلسية كانت تأتي لتؤكد البناء الموسيقي إلى أن أصبحت في يوم من الأيام تقوم عليها دلالة النص الشعري فتتردد في النص إلى نهايته رغم أنها استوفت المعنى من أول مقطع كما هو الحال عند كثير من شعراء العامية في اليمن.

وقد استخدم هذه التقنية الموسيقية واللازمة، محمد حسين هيثم بشكل واضح في عدد من نصوصه في استدراكات الحفلة، وعلى سبيل المثال اللازمة في قصيدة (هذه الرأس) تتكرر إلى نهاية النص.

ونقطة الإثارة في القصيدة العربية مبهمة لشحة التنظير النقدي المصاحب لهذه القصيدة ولغياب القارئ النموذجي لأنه يتستر خلف الأشكال القديمة السائدة.. وقصائد النثر الأوروبية تسكنها قوتان: الأولى قوة فوضوية أتت من فلسفة التجريب والتدمير لما هو كائن وهي تتنكر للأشكال الموجودة في الساحة، وتتناسب مع الفوضوية المعيشية في حياة المجتمعات الأوروبية، وفيها تعارض مع ثقافة المجتمع العربي المحافظ، فأخذ الشكل فقط ولم تنتقل الفوضوية بشكل راقٍ في النصوص العربية.. الثانية قوة منظمة تقوم ببناء النص كلياً شعرياً مترابطاً رغم الفوضى، هذا الترابط كما أسلفنا الوحدة العضوية ويؤكد وجود قطبية حساسة جداً فيها، وسواءً كان الشعراء منجذبين نحو قطب النظام، أو منجذبين نحو قطب الفوضى، وهو سر الخلاف بين كتاب قصيدة النثر أنفسهم، ولن يتوقف إلا بوعي سمي من قبل الكتَّاب بسر هذه المهنة أي أنها تقوم على الجدليات والثنائيات لأنها تتلاعب على نحو صريح بالغموض المعجمي، وهذه اعتمد عليها الكثير من الشعراء كذلك تشي عن الصراع النفسي الذي يشكل النص، ويجمع ماضي الشخصية بحاضرها في آنٍ واحد، وهذه الثنائيات ترسخ مبدأ الحضور والغياب ودلالات الارتباط بإحداها وطغيانها في النص الأدبي.

ولقصيدة النثر طريقتها المتسلسلة في النضج، فهي ليست طفرة نشأت فجأة في الأدب، إذ بدأت بكتابة إيقاعية حساسة مع تذكيرات ولازمات وجناسات استهلالية متعددة، شيءٌ ما متموج ومتقلب كشعر العبرانيين.. وكما حددها ستيوارت ميريل (14) لكنها في الشعر العربي لم تتطور كتطور هذا النموذج الأوروبي، وأكد ذلك أن تكون مواضيعها منتقاة تتلاءم مع اللون والموسيقى، لأن منشأها اللوحة الفنية ومصاحبتها للرمزية والسوريالية.. وجاءت أكثر حرية من الشعر الغنائي لذلك فهي متأثرة بالحرية إلى درجة كبيرة.. وجاءت كذلك مصاحبة للتغيرات القرائية الفلسفية للفن.. والشعراء العرب نقلوها دفعة واحدة بكل سرها وغموضها، لذلك أتت مرتبطة بأشخاص اختلف تأثيرهم الشخصي النموذجي.

وتعدد المظاهر الحياتية يسمح بموضوعية أكثر للقصيدة ويدخل بها إلى بلاط المغايرة الموضوعية الحقيقية.. فقد أتت ترصد كل ما يمكن أن تقع عليه العين لتعيد تشكيله من جديد في رؤية تجمع حيادية التفسير والتعليل لدى الشاعر.. ولا شك أن المظهرية الإعلانية سطت على كل ما هو بارز في الساحة، لذا كان أخذها نمذجة بشاشة النص ليعرض عليك رؤيته وليجمع لك صورةً صهرت بعملية المونتاج وأصبحت تعبر عن رؤية المجتمع الفلسفية وطبيعة الحركة النفسية لدى الفرد.. وكأنها تغليف لهدية ما.. وأنت لا تعرف قيمة الهدية وكنهها، فلماذا الاستغراب من سذاجة الرؤية في قصيدة النثر؟ ولماذا نجعل الحياة المعيشة في جهة وهويتها الثقافية وآثارها في جهة أخرى.

وللتأمل إن الركائز الأساسية في بنية قصيدة النثر –الجانب اللغوي- اعتمادها على بنية الجمع بين الإجراءات المتناقضة، أي أنها تعتمد أساساً على فكرة النضال اللغوي وتقوم على التعويض الشعري، لأن الأنموذج القديم للشعر يكون قد تلاشى تماماً، وهناك عوامل عدة تتآزر فيما بينها وتصب في قالب واحد يعتبر هو الفاعلية الجمالية للقصيدة، وهذه العوامل هي:

1- تعطيل الأوزان العروضية المتداولة، وهو سبب الأزمة الرئيسية في الشعر سواء الأوروبي (الفرنسي) أو العربي، لأن الذائقة الكلاسيكية، كانت قد ثبتت هذه الرؤية، ومن خرج عن الوزن الخليلي تصبه لعنة النقاد.. شعراء هذه القصيدة يريدون أن يكسروا صنمية الوزن وكتابة نموذج شعري جديد غير ما ألفه الأولون امتداداً لحركة الحداثة الشاملة في كل جزئيات الحياة.

2- تفعيل أقصى الطاقات الشعرية الممكنة، وذلك من خلال استحضار كل عناصر الإدهاش في القصيدة سواء من خلال الشكل وما ينطوي تحته أو الرؤية أو المعنى وتأويلاته، وما إلى ذلك من مجاز وعناصر تركيز لغوي غير مألوف.. كذلك التغييرات الدلالية المختلفة.

3- إبراز الاختلاف الدلالي الحاد، وهذا الاختلاف الدلالي يندرج في إطار البنية العلاماتية لنخرج بسمة هي ناتج دلالي آخر أو معنى دلالي نصي، ويكون على مستوى البنية الداخلية في المقطع، ويختص بسيميائية المفردة وتعالقها بغيرها في السياق اللغوي.. وهذه الخاصية تعمق التأمل في بؤرة النص وكيف تكونت دلالياً بمعطيات التبلور البنيوي للدَّالات.

هذه العوامل الثلاثة قامت لتأخذ طريقها إلى أرض الواقع القرائي بعدما كانت القصيدة بوتقة الصراع الفكري بين النقاد الأوروبيين، وهي ما يمكن أن تعتمد عليها في طرح مشروع قرائي عربي هذا الأنموذج.. ولو حاول الشعراء احتذاء هذه الآليات أو القوانين لما كابدوا كثيراً، لأنهم بهذا يمهدون للقارئ استيعاب هذا التجريب الشعري.. والذي حدث أنهم ألهبوا ظهر القارئ بسياط التجريب قبل أن يدان القارئ فكيف تريدني أن أتقبل منك هذا؟ حدث مثل ذلك تماماً عند القارئ الفرنسي والألماني وثارا على النوع الجديد.

ولا أخفيك أن القصيدة العربية لم تواكب أية أطروحات فلسفية حياتية لكنها بفعل التأثير الأدبي انتقلت إلينا.. ومن بداية القرن العشرين إلى الخمسينيات توالت الحركات الأدبية التي صاحبها تنظير نقدي ركيك لا يتطلع إلى الأبعاد الفكرية والمقولات الفلسفية السائدة في العالم، وحاول النقاد أن يشقوا لهم طريقاً ليفرقوا بين المدارس الأدبية، وإن لم يشعر بها القارئ في مجتمع اختلطت فيه الرؤى الثلاث.

كل ما في الأمر أن اللغة لم تثبت وظيفتها عند العلماء الأوائل، وباختلاف المجتمعات اللغوية اختلفت النظرة إلى ذلك ولم تكن مستقرة أيضاً في تعريف الحداثيين الفرنسيين في أنها –أي اللغة- وسيلة للتعبير.. وهنا تجاهلٌ لعلم اللغة العام بخلاف النظرة المتأخرة، أي مواكبة لنظرة العلماء الذين يؤمنون بأنها غاية في ذاتها ولذاتها.. وهي الرؤية الضرورية بالنسبة للنقاد لأنهم حولوها من علم اللغة إلى النص الأدبي.. وأصبح اللعب بالتكوينات النصية عبر اللغة قضية مهمة جداً في هذا العصر، مصاحبة لما ورد من نصوص حديثة في عصر بودلير ولوتر يامون وميشو..

كذلك أصبحت اللغة وسيلة كتابية وليست نطقية فقط وأصبح النص الحديث مليئاً بالفراغات والأساليب الكتابية التي تؤول تبعاً للتكون الدلالي الأولي المتشكل من السطر أو الجملة.

ولو عمدنا إلى الخطاب في هذه القصيدة لرأينا موضوعات كالتالي : (1) إطار. (2)حدث. (3)خاتمة (15).. وهي أطروحة لا تفصل رؤية النص عن شكله الخارجي، بل نرى أن الرؤية النصية لا بد أن تتعاضد مع مكونات النص المقطعية حتى يسهل توزيع الفقرات على خيط دلالي متحد، وبهذه الموضوعات لا ننسى العامل الطباعي لأنه يوزع الدلالة كيفما يشاء النَّاص، وكلها تندرج تحت قضية الإطار لأنه يحدد شكل النص ولا يمكن تعديه.

وما جاء من حدث فهو لمتابعة سير التطور النصي حتى يكون الخطاب قد استوفى مقصده الكتابي ولأنه لغة سائرةٌ نحو المنطق الدلالي، أوجد لها خاتمة تحميها من التيه والخروج إلى مزالق غير متوقعة تفقد بريقها فيها، وتحديد علاقته بالبلاغية جعل النص يحشد صوراً بالغة الأهمية مثل السخرية والتهكم والمحاكاة.. ويخلق أيضاً مفارقة غير معهودة في العمل الأدبي تتكئ عليها القصيدة المعنية.

ولا شك أن عوامل التأثير الثقافي لها أهميتها في نقل الآداب إلى مراحل متقدمة أو نبش هذه الآداب كالإنجليزي والفرنسي وتلعب الترجمة في ذلك الدور الأكبر. حتى من يمتلك اللغات الأخرى من الشعراء، فإنهم حاكوا النموذج الفرنسي وآتت -على لسان أرسطو- ظلالاً للأعمال الأدبية الغربية مما تغيَّر الفهم الفني والجمالي للعمل الأدبي.. وقِسْ على ذلك القصيدة؛ لأنها هي الوحيدة التي تتغير من الترجمة، أو لأنها تنقل لنا المعنى، ولا تهتم بالبناء اللغوي للنص المترجم فتأتي القصيدة جافة ليس كما كانت في لغتها الأم، وهذا سر إشكالية الترجمة.

وأصالة قصيدة النثر تحفظ لها بناءها المتكون من النظام الداخلي للصياغة وما يندرج تحت هذه الصياغة من لغة وإيقاعات وصورٍ، وهذا سر بقائها الأصيل، وليس ما يزعمه بعض النقاد، إذ راحوا يبحثون عن سلالة وراثية لهذا النص في الشعر العربي القديم، وكانوا قد أحالوا ذلك إلى المتصوفة والنفري والتوحيدي خاصة (16)، وهذا التأصيل لا ينطبق مع قصيدتنا للمفارقة الأسلوبية بين النوعين، ولأن القصيدة العربية لم تمر بأية مراحل تكوينية.. لنقل وصلت في نهاية المطاف إلى هذا الشكل، لأنها نموذج غربي لا بد أن نعترف بذلك.. لأنه لا يشكك من التراث والقصيدة فلماذا تخاف من هذا التجديد طالما هو في مجال الفن والأدب؟

والأنموذج الذي أتى به الشعراء المقلدون يحمل فهماً خاطئاً لاستراتيجية النص ودواعي كتابته، كان هذا مبرراً لرفض النوع الشعري كله، لأن الحداثة النصية غالباً ما تُرفض إذا لم توجد مبررات من طبيعة الحياة اليومية، وتهميش هذا النوع في بداية ظهوره يوازي ما قلناه آنفاً.. والسبب أن عمر التجربة ذاتها في الأدب العربي قصير بالقياس إلى بقية الأنواع.

وتجربة أدونيس الشعرية لم تكن مستقلة ومنقطعة الجذور، بل حاول أن يزرع النواة لإقناعنا بفلسفتها، وقد استطاع محمد الماغوط وسيف الرحبي تأسيس هذه القاعدة، غير أن أولاد أدونيس كُثر لا يحكمهم أي قانون، بل يعيثون في الشعر فساداً زاعمين أنهم ما زالوا واقفين في أبراجهم العاجية لا يستطيعون أن ينزلوا إلى الجمهور ولا يستطيع الجمهور أن ينزقى إليهم، ومن هنا غيَّر بعض الشعراء آراءهم في هذا النص وانصرفوا تماماً، رغم بقاء مجموعة قليلة تشجع خلود النص الحديث.

* * *

ولو نظرنا لليمن في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي للاحظنا الاحتكاك الثقافي بين اليمن وبقية الأقطار العربية ودخلت النماذج الشعرية المختلفة، رغم ما يعيشه اليمن من أمية وتخلف، بعضهم قلد النموذج الكلاسيكي،……الخ.

والأهم ما قام به محمد المساح وعبدالودود سيف من كتابات في قصيدة النثر، وهي بذرات أولى في الثقافة اليمنية وسط التقليد الفكري، وكان ذلك في فترة الخمسينيات وقبل ثورة 26سبتمبر أصبحت كتابة قصيدة النثر علامة من علامات الجدة والمعاصرة في شعر اليمن الحديث (17).. وبرز في هذا المجال عدد شكلوا نواة التحول الرؤيوي في أدب اليمن الحديث.

وعلى منوال هؤلاء جماعة آخرون أكدوا حداثوية هذا النص، رغم غرابته على القارئ في القرن الماضي.. ولم تكن هناك أزمة قوية تغلق الآفاق أمام الحداثة الجديدة، بل مهد شعر التفعيلة للقصيدة الأجد، ولأن النظام التفعيلي للنص أثبت قدرته على التجريب الحداثي واستطاع أن يؤسس لنفسه إطاراً نظرياً عند القارئ بحيث لم يتنكر القارئ لهذا العمل الأدبي.. بل أعجب به جداً لأنه أثبت فعلاً حداثة النص الأدبي، وكذلك صموده بقوة عالية أمام الهجمات النقدية، لذا واكبت حركة التحديث النسبية في الوطن العربي، أما قصيدة النثر فقد صدمت المتلقي والسبب في ذلك يرجع إلى عدة أسباب منها:

1- الشعراء أنفسهم لأنهم لم يستوعبوا هذا النموذج فانتهجوا إما الإغراب المحض وإما التقليد المحض.. كذلك لم يحاولوا أن ينظروا لهذا النص واكتفوا بكتابته فقط.. وهو غير معروف سابقاً.

2- النقاد والباحثون والدارسون وتنكرهم لهذا النوع، إذ لم يهتموا بدراسته فنشأت –أي القصيدة- ضئيلة ركيكة، كذلك أخرجوها من الدرس الأكاديمي وهذه قللت من ممارسة المتلقي لقراءة النص لقراءة النص الحديث

والأسماء الشعرية اللامعة في الساحة اليمنية تدرك أن هناك فجوة ليست واسعة ولكن من باب اقتناع القارئ بالتحديث الشعري لا بد أن نهيئ لها الساحة الثقافية حتى يصل إلى النص وقد مهدت الطبيعة الطريق أمامه فيتناولها بيسر ويحللها وفق طاقته الاستيعابية، وقد بذل الدكتور حاتم الصكر جهداً كبيراً في حل الأزمة بين المتلقي والشاعر وطرح نقاط الإشكال بشكل مبسط يمكن شرحه للقارئ ليعرف كنه قصيدة النثر في كتابيه (قصيدة النثر في اليمن –أصوات وأجيال) و(حلم الفراشة)، ويحددها في (18): أنها كتابة شعرية فيها رسومها وبصرياتها وسردها وليست عملاً شعرياً أو نثرياً مغايراً بمعنى الانشقاق والتحول، وإن مؤثراتها ومرجعياتها ومعارفها سلطة جديدة على القارئ، وتراثها المنفي مندرج في نهر حداثي جار والتحديث الشعري يرتبط بوجود العربية كياناً ولغةً، وهو من ضرورات وجودنا وهويتنا لغةً وإبداعاً، كل هذه الأشياء يفضلها القارئ العربي لأنها في فتراتها الأولى نقلت إبداعاً ولم تنقل نقداً.

وقصيدة النثر في اليمن تجايلت أي انتقلت عبر الأجيال ابتداءً من قصائد عبدالودود سيف والمساح، هذه كانت النواة لقصائد النثر المتأخرة وهي نصوص الإرهاص والتكوين أو التأسيس بنوعيها، ولم تكن قد دخلت اليمن قبل التاريخ السابق، وكانت تصل بعض الصحف العربية مثل مجلة (شعر) إلى اليمن. وهؤلاء حاولوا تقليد النموذج العربي مع التركيز الشديد في طريقة صياغة هذا النمط، وهي تحمل إشارات عن صلة بالنثر الشعري والشعر المنثور، وتتركز بنية القصيدة النثرية في تلك الحقبة عبر استثمار طاقة النثر نفسه واستضافتها لموضوعات شعرية مهمة، وبفعل التكوين الثقافي الحقيقي ما بعد الثورة، ظهر شعراء المرحلة الثانية لقصيدة النثر وهم حسن اللوزي وذو يزن وعبدالرحمن فخري وشوقي شفيق، هؤلاء كسروا رتابة الأولين وكتبوا القصيدة بنمطية تحديثية على مستوى اللغة والرؤيا وباقتصاد لغوي رائع، و غرسوا النواة الحقيقة لقصيدة النثر، وجيل التسعينات جاء يحمل هم التجديد الشعري ويتعصب له وعصبيتهم أوقعتهم في تقليد بعض النماذج العربية حتى صار أغلبهم لا يكتب تحديثاً شعرياً بل كالببغاء يردد ما يقولونه، مع بروز بعض النماذج القليلة التي ترتقي بالإبداع اليمني.
avatar
سلوى افغاني

المساهمات : 36
تاريخ التسجيل : 13/03/2010
العمر : 24

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى